محمد عبد الله دراز
44
دستور الأخلاق في القرآن
تعبيرا يقترح لنشاطنا غايات نفعية حتّى ولو كانت مشروعة . فالتصرفات الحكيمة إذا كانت غايتها الذات ، والإخلاص للآخرين ليست إلا إضافات لا تقوم بذاتها ، وإنّما بالاستناد إلى المبدأ الأوّل وهو العمل من أجل إرضاء اللّه . وكانت آخر مسألة عالجها المؤلف في الفصل الخامس من الكتاب هي تحليل طبيعة « الجهد » الإنساني الّذي يأمر به القرآن الكريم ، ودرجة هذا الجهد وقيمته في اكتساب الثّواب . وقد عالج المؤلف العلاقة بين الجهد ، والانبعاث التّلقائي من ناحية ، وبين الجهد وروح التّيسير من ناحية أخرى . ووضح أنّ القرآن الكريم قد وازن بين كلّ من الطّرفين المتعارضين ، ودمج بينهما في تركيب يجمع بين الكمال ، والحكمة . وناقش فكرة المتشددين الذين يرفضون التّلقائية في الفعل الأخلاقي ، ولا يمنحون السّلوك أية قيمة إلا إذا كان نتيجة لجهد ، أو معاناة كبيرين . فإذا صحّ ما يدّعي هؤلاء فإنّ النّفس المتحررة من شهواتها لا تكتسب ثوابا على ما تقوم به من أفعال خيّرة ، ولا تستحق هذا الثّواب إلا إذا كانت فريسة لانفعالات متسلطة عليها ، وتكافح من أجل التّغلب عليها . أو بمعنى آخر كلما اقتربنا من المثال الأعلى في الانبعاث التّلقائي لفعل الخير ، فقد العمل جزءا من قيمته . وواضح ما في هذا الرّأي من منافاة لكلّ منطق ، إذ بمقتضاه يكون الشّرير الّذي يحاول جاهدا التّخلص من نزعاته الشّريرة أعلى درجة في السّلّم الأخلاقي من القديس الّذي يمارس الفضيلة في يسر وبدون جهد يذكر . إنّ الوقوع في هذا التّناقض قد نجم عن الاعتقاد الخاطئ بأنّ الحياة الأخلاقية يجب أن تكون حربا لا هوادة فيها ضد نزعات كامنة في الإنسان ، هذا الإنسان الّذي يرى بعضهم أنّه شرير بطبعه ، وأنّه لا يستطيع أن يتحرر من طبيعته الشّريرة ، وأنّ القداسة فكرة وهمية ليس لها مكان على الأرض .